محمد بن جرير الطبري

593

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

التي بايعوا ، انهم قد تابوا من عظيم جرمهم ، وقد توجهوا إلى الله ، وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله ، « رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » ، والسلام عليك فلما أتاه هذا الكتاب قال : استمات القوم ، أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم ، وأيم الله ليقتلن كراما مسلمين ، ولا والذي هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم ، وتكثر القتلى فيما بينهم . قال أبو مخنف : فحدثني يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر ، وعبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الرحمن بن غزيه ، قالا : خرجنا من هيت حتى انتهينا إلى قرقيسيا ، فلما دنونا منها وقف سليمان بن صرد فعبانا تعبئة حسنه حتى مررنا بجانب قرقيسيا ، فنزلنا قريبا منها ، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها من القوم ، ولم يخرج إليهم ، فبعث سليمان المسيب بن نجبه ، فقال : ائت ابن عمك هذا فقل له : فليخرج إلينا سوقا ، فانا لسنا إياه نريد ، انما صمدنا لهؤلاء المحلين فخرج المسيب بن نجبه حتى انتهى إلى باب قرقيسيا ، فقال : افتحوا ، ممن تحصنون ؟ فقالوا : من أنت ؟ قال : انا المسيب بن نجبه ، فاتى الهذيل بن زفر أباه فقال : هذا رجل حسن الهيئة ، يستأذن عليك ، وسألناه من هو ؟ فقال : المسيب بن نجبه - قال : وانا إذ ذاك لا علم لي بالناس ، ولا اعلم اى الناس هو - فقال لي أبى : اما تدرى اى بنى من هذا ؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها ، وإذا عد من اشرافها عشره كان أحدهم ، وهو بعد رجل ناسك له دين ، ائذن له فأذنت له ، فأجلسه أبى إلى جانبه ، وساءله والطفه في المسألة ، فقال المسيب ابن نجبه : ممن تتحصن ؟ انا والله ما إياكم نريد ، وما اعترينا إلى شيء الا ان تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلين ، فأخرج لنا سوقا ، فانا لا نقيم بساحتكم الا يوما أو بعض يوم ، فقال له زفر بن الحارث : انا لم نغلق أبواب هذه المدينة الا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا ! انا والله ما بنا عجز عن الناس ما لم تدهمنا حيله ، وما نحب انا بلينا بقتالكم ، وقد بلغنا عنكم